الشيخ محمد السند

116

تفسير ملاحم المحكمات

فيشتدّ جزاء العقوبة عليه ، كما أنّه يقابله من لم يعرف الصراط والسبيل إلى الله تعالى بعد دخوله في الإسلام ، فهو ضال عن الهدآية ، وهو ممّن فيه المشيئة الإلهيّة ، ويكون من ( المرجون لأمر الله ) ، فهذا تقسيم ثلاثيّ في هذه السورة . وبالجملة : فإن كثيرا من المفسّرين ذكروا أن المراد بأصحاب الصراط المستقيم المنعوتين بأنّهم منعم عليهم ، وأنّهم غير مغضوب عليهم ولا ضالّين ، هم جميع الامّة الإسلاميّة ، وكل من تشهّد الشهادتين ، مع أن صدر السورة كما مرّ تبيّن أن من أقرّ بالشهادتين أيبالتوحيد والمعاد والنبوّة ، فإن اللازم عليه بحسب ذيل السورة أن يطلب الهدآية ، ولا يكتفي بمجرّد اعتناق ظاهر الإسلام وبصرف الإقرار بالشهادتين ، ممّا يدل بوضوح أن النجاة في الآخرة مرهونة بصفة الإيمان وبشرائط تزيد على أصل صفة ظاهر الإسلام ، وقد بيّنت الآيات الكثيرة أن للإيمان مراتب كما أن للهدآية مراتب ، كما في قوله تعالى : ( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً ) « 1 » . ومنه يعلم أن الهدآية المطلوبة في ذيل سورة الحمد هي درجة تزيد على أصل الاهتداء إلى ظاهر الإسلام من الإقرار بالتوحيد والنبوّة والمعاد لسانا ، ولا يمكن حمل طلب الهدآية في ذيل السورة على أصل اعتناق الإسلام ، بل على طلب المزيد من الهدآية ، وهي التي علّقت النجاة عليها ، وأن النجاة لا تحرز بمجرّد الاعتناق في الظاهر للإسلام ، وأن الهدآية في تلك الدرجة اللّاحقة لا بدّ أن تكون من الأصول الاعتقاديّة في الإيمان ، حيث علّق عليها أصل النجاة في الآخرة ، ولعلّه لا اختلاف بين مذاهب المسلمين في أن النجاة متوقّفة على الإيمان ، ولا يكفي فيها الاعتناق في الظاهر للإسلام ، وإنّما الخلاف واقع في تحديد وتعداد الأمور المأخوذة في أصول الإيمان .

--> ( 1 ) مريم 19 : 76 .